ابن الجوزي

73

صيد الخاطر

أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم سرّه ، وحرم قيام الليل ، وحلاوة المناجاة ، إلى غير ذلك . وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفوس ، وعلى ضده يجد من يتقي اللّه تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلا ، كما في حديث أبي أمامة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول اللّه تعالى : « النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان ، من تركه ابتغاء مرضاتي آتيته إيمانا يجد حلاوته في قلبه « 1 » » ، فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها . فأما المقابلة الصريحة في الظاهر فقل أن تحتبس ، ومن ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : الصّبحة « 2 » تمنع الرزق ، وان العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه . وقد روى المفسرون : أن كل شخص من الأسباط جاء باثني عشر ولدا وجاء يوسف بأحد عشر بالهمّة « 3 » . ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة رأى الجزاء وفهم ، كما قال الفضيل : إني لأعصي اللّه عز وجل فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي ، وعن أبي عثمان النيسابوري « 4 » انه انقطع شسع نعله في مضيّه إلى الجمعة فتعوق لاصلاحه ساعة ، ثم قال : إنما انقطع لأني ما اغتسلت غسل الجمعة . ومن عجائب الجزاء في الدنيا انه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة يوسف وشروه بثمن بخس امتدت أكفهم بين يديه بالطلب ، يقولون : « وتصدّق علينا » ولما صبر هو يوم الهمّة ملك المرأة حلالا ، ولما بغت عليه بدعواها : « ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً » أنطقها الحق بقولها : « أَنَا راوَدْتُهُ » ولو أن شخصا ترك معصية لأجل اللّه تعالى لرأى ثمرة ذلك ، وكذلك إذا فعل طاعة . وفي الحديث : « إذا أملقتم فتاجروا اللّه بالصدقة » أي عاملوه لزيادة الأرباح العاجلة . ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع ، طلبا للراحة العاجلة ، فانقلبت أحواله إلى التنغص العاجل ، وعكست عليه المقاصد . حكى بعض المشايخ : انه اشترى في زمن شبابه جارية ، قال : فلما ملكتها

--> ( 1 ) قال الشيخ ناصر الألباني : هذا الحديث ضعيف . ( 2 ) الصبحة نوم الضحى . قال الشيخ ناصر : ضعيف . ( 3 ) يشير إلى قصة امرأة العزيز . انظر الفصل « 129 » وتعليقتي عليه . ( 4 ) شيخ الصوفية في نيسابور توفي سنة 298 .